الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, فاللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما تحب و ترضى, لقد من الله علي هذه السنة بنعمة كبرى بأن يسر
لي زيارة بيته العتيق المسجد الحرام و المسجد النبوي الشريف.
نيتي و غايتي الوحيدة من هذا المقال هي أن أنقل
لمن لم يسبق له الذهاب الى رحاب الله و زيارة الأراضي المقدسة تلك الأجواء الروحانية التي تحس فيها برضى و سعادة يعجز اللسان عن
وصفهما, حتى يعزم كل من له الاستطاعة و يكف عن التسويف ويشد الرحال الى أحسن مكان يمكن أن يقصده انسان, و حتى يهتز فؤاد من له من المال و الصحة و الوقت ما يمكنه من القيام بهذه الزيارة, .لكنه و للأسف
الشديد شغل نفسه بأشياء أخرى ولم يضع هذه الرحلة المباركة ضمن أولوياته.
يا الله ! بماذا أبدأ و ماذا عساي أقول لكي أحاول نقل تلك
الأجواء الرمضانية الرائعة, فمهما وصفت يبقى دائما أنه " ليس من يرى كمن يسمع ", و لا يسعني الا أن اردد دعاء دأبت على ترديده في الأراضي الطاهرة " اللهم لا تحرم أحدا من المسلمين زيارة بيتك
الحرام,
.وأكتب لهم جميعا زيارة بل و زيارات قبل الممات
".
سأبدأ بيوم الوصول الى المدينة المنورة, المدينة
التي تحس فيها بأمن و أمان و رضى و طمأنينة, فما ان تضع قدمك فيها حتى تشعر أنك في أروع مدينة, و يتملكك شوق رهيب لزيارة روضة خير الأنام, و تحس بخشوع عظيم ... كيف لا و أنت في مدينة منورة بأحسن خلق
الله شفيعنا و نبينا محمد عليه الصلاة و السلام ؟
كيف لا و أنت في مدينة استقبل أهلها بالتكبير و التهليل خير البرية ؟ كيف لا و أنت في مدينة قال عنها رسول الله عليه الصلاة و السلام
أنها مثوى الحلال و الحرام ؟ .... إحساس لا يضاهيه إحساس... نفس الأحاسيس تنتابك كذلك عند زيارة المسجد النبوي الشريف الذي يشع نورا ليلا و نهارا.
أما مزارات المدينة المنورة ( البقيع و جبل أحد
ومسجد قباء و غيرها), فالزائر لها يستخلص عبرا و دروسا كثيرة و متعددة, أهمها للإ ختصارهي أننا أمة تستطيع قيادة العالم ان اردنا ذلك, و
اشتغلنا و أخذنا بالأسباب و توكلنا على الله: الم تكن أغلب الغزوات و الحروب في شهر رمضان ؟ الم ينتصر المسلمون و هم قلة ؟ ألم يستطيعوا مجابهة الجوع و شدة الحر وصعوبة تضاريس المنطقة ؟ إنه درس لكل
واحد منا على حدى, جمعته الآية الكريمة " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " شريطة العمل الدؤوب و المستمر و إخلاص النية لله و الثقة به و اليقين في إجابة الدعاء ...و أما عن لحظة زيارة روضة النبي
صلى الله عليه و سلم, فأكتفي بالقول أن فيها من الخشوع و السكينة و الابتهاج ما يعجز
اللسان عن وصفه و أجدد الدعاء لجميع المسلمين بأن يمن الله عليهم بزيارة روضة خيرالأنام عليه الصلاة و السلام.
و استمرت الرحلة في اتجاه أم القرى مكة المكرمة, و القلب يخفق و الروح في سكينة, انه خشوع رهيب و موقف عظيم, كيف لا و أنت تقطع المسافة التي قطعها
النبيعليه الصلاة و السلام رفقة أبي بكر الصديق و تسيرفي الطريق التي مر فيها خير الأنام و تستحضر عظمة الرسالة التي جاء بها الاسلام, و مما يزيد الموقف رهبة و خشوعا و إجلالا ترديد التلبية
ووقعها على القلب " لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك, مع ضرورة استشعار المعنى فأنت تقول لبيك لرب العالمين جل علاه, بمعنى حاضر يا ربي, استجبت إليك لأنك
دعوتني, و حسب المرء منا أن يكون ضيفا للرحمان, و حسبه شرفا و عزة أن يكون الله العزيز الجبار الرحيم دعاه إلى بيته, و يسر له سبل الوصول إليه, فلبيك خالقي, لبيك مولاي, لبيك سيدي و لك الحمد و الشكر
دائما و أبدا.
ثم أتت لحظة الوصول و الدخول إلى مكة و إلى البيت الحرام, و الخشوع يزداد كلما اقترب وقت رؤية الكعبة المشرفة لأول مرة, القلب يستشعر عظمة الموقف, و
اللسان لا يكف عن ذكر الله وعن التلبية.
يا الله ! تتسارع نبضات القلب و أنت تدخل من باب السلام في
مشهد فيه من الإجلال و التعظيم لله عز و جل, ما يجعله عالقا بذاكرة كل مسلم أبد الدهر, فأنت في أعظم مكان, تتجه نحو بيت الله بلسان يلهج بالدعاء... ثم جاءت لحظة رؤية الكعبة المشرفة, هي لحظة التكبير و
التهليل و الدعاء ,لحظة ترفع
فيها الأكف و تغسل فيها القلوب و تصفى فيها النفوس, التي و بعد أن تشحن بكل هذه الأحاسيس تشرع في أداء المناسك. و هنا, تنبغي الإشارة إلى ضرورة فهم كل المناسك و العبادات قبل الشروع فيها, لأن ذلك
يجعلنا نقوم بها بتركيز فيكون لها عميق الأثر في النفس, تماما كالصلاة و الصوم و الزكاة وغيرها, فما جدوى القيام بها دون أن نفهم المقصد من تشريعها لأنها كلها وسئل و ليست غاية ...
فيما يتعلق بمناسك العمرة, فسأسرد باختصار مغزى
أركان العمرة و تجلياتها العظيمة في النفس, و المعلوم أن لها معاني كثيرة لا يتسع المجال لذكرها كلها: و لنبدأ بالإحرام, إن المسلم حين يحرم فهو يخلص
النية لله عز وجل و يتطهر ظاهرا و باطنا, و لا يقصد إلا وجه الله, فكذلك يجب أن تكون كل أعمالنا لأن الله سبحانه و تعالى مطلع على النوايا مصدقا لقوله عليه الصلاة و السلام , " إنما الأعمال بالنيات و
إنما لكل امرئ ما نوى" و للإحرام معنى آخر ينعكس في إحرام الرجال على الخصوص و هو معنى المساواة, فالرجال بلبسهم للأبيض و تحللهم من المخيط و المحيط يصيرون سواسية لا فرق بينهم إلا بالتقوى فهو لباس
موحد مهما اختلف المنصب و اللغة و الجنسية و القامة و الوزن ... و يتلو الإحرام ركن الطواف, و المقاصد من هذا الركن متعددة, أذكر منها أن فطرة الله التي فطر الناس عليها هي أن يكون الله محور حياتنا,
فبذلك تتحقق السعادة و الطمأنينة, لكننا نجد ان كثيرا من الناس جعل محور حياته شيئا آخر, فمن الناس من جعل محور حياته نفسه فقط , فهو لا يرى إلا نفسه و يعمل و يخطط و ينفذ لنفسه, و يطيح بالآخرين من أجل نفسه, لا يهمه أبدا أن يزيد في هذه الحياة, و نجد أنه بالرغم من أنه
حقق كل ما يريد يشعر بالضيق و الاكتئاب, ذلك أنه خالف الفطرة و لم يعمل لما خلق له, و قد صدق من قال " من
لم يزد في هذه الدنيا فهو زائد فيها " و من الناس من جعل محور حياته المال, تجده لا يكف عن التفكير في جمعه و استثماره يفرح إن كثر و يحزن إن قل و قد يلجأ الى طرق غير
مشروعة لكسبه...
و من الرجال من جعل محور حياته المرأة, فهو يلهف
وراء كل جسد و يطلق العنان لغرائزه و لا يوجهها التوجيه السليم, فيقع فيما لا تحمد عقباه, و يصبح عبدا لشهوته تتحكم فيه كيفما تشاء ... و من الناس من جعل
محور حياته منصبا أو شهرة أو غيرها...
إن الحكمة من تشريع الطواف, هو أنه ينبغي على كل
مسلم أن يدور حول المحور, بمعنى أن يكون تأسيسه لأسرة, و نجاحه في مهنته, وصقله لموهبة و بناؤه لعلاقات اجتماعية و كل حركاته و سكناته تدخل في إطار إرضائه لله عز و جل
فبذلك يستجيب لفطرته. فسبحان من شرع لنا أعظم دين, دين يدعو إلى النجاح و المحبة و الاستمتاع و يجلب سعادة الداربن... حكمة أخرى من الطواف ينبغي ذكرها و هو أن الإنسان فطر على الحركة, أو لم يكن الله
قادر أن يشرع لنا الوقوف و التأمل في الكعبة بدل الطواف ؟ لكنه عز و جل سن لنا منسكا نتحرك فيه و كان الرسالة هي ان هذه الحياة دار عمل و جد و أخذ بالأسباب, و من توقف أو تواكل أو تكاسل فهو مخالف
للفطرة, و كأن الرسالة هي: اعمل أيها المسلم, تحرك فإن لكل مجتهد نصيب, فلا راحة إلا في
دار البقاء. و لكم كان يؤثر في نفسي منظر بعض الطائفين الذين يتوقفون للراحة بسبب المرض أو التعب, و يتركون جموع الطائفين ثم يعودون , أو ليست هذه هي الحياة التي نحياها ؟ أو لا نضطر أحيانا للتوقف بسبب
محنة معينة كمرض, أو فقدان قريب, أو خسارة مالية أو غيرها من الابتلاءات ثم نحمد الله و تسترجع و نعود لمعركة الحياة...؟ تلك هي سنة الله في الكون, فمادام قلبنا ينبض لا مجال للتوقف عن الحركة و استغلال
كل دقيقة من أعمارنا.
و ننتقل إلى الركن الأ خير و هو السعي بين الصفا و المروة, هذا الركن العظيم يحمل غايته في اسمه, إنه السعي و الأخذ بالأسباب, لأن السماء لا تمطر لا
ذهبا و لا فضة. فالله سبحانه و تعالى وهو القوي الجبار, كان
باستطاعته أن يدل السيدة هاجر على مكان المياه, وهي أم تركها زوجها سيدنا إبراهيم عليه السلام في الحر الشديد وحدها تركض ملهوفة بحثا عن ماء تروي به عطشها و عطش ابنها. لكن الله عز و جل يريد أن يعلمنا
أنه لا بد من بذل الجهد و الأخذ بالأسباب, فتحقيق الأحلام
و الأهداف يتطلب جهدا و مبادرة و تعبا لكي نشعر بعد ذلك بمتعة الوصول الى المراد... معنى آخر لهذا الركن العظيم و هو أن النصر مع الصبر و الفرج مع الكرب, هي سنة نافذة من سنن الله, فبعد أن قطعت السيدة
هاجر سبعة أشواط في قلق و حيرة تبحث عن الماء, أتاها الفرج بان انفجرت عين ماء زمزم المبارك فروت ابنها و ارتوت ... إن الأيام دول, و الليالي حبالى و دوام الحال من المحال, و الحبل إذا اشتد انقطع و
الليل يعقبه نور الصباح, و لا ينبغي فقد الأمل مهما عظم الابتلاء, لأن هناك قانون ربانيا يفتح الله به الأبواب بعد أن تغلق فهو الفتاح العليم الرحيم الحكيم...
و أضيف معنى آخر من معاني السعي, تلخصه الآية الكريمة " و عسى ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم " فجهد و عناء و قلق السيدة هاجر, كان وراءه تدفق مياه لازال
المسلمون إلى حدود اليوم, و سيظلون إلى ما شاء الله يرتوون منها, و يتداوون بها, فالواحد منا قد يخطئ في تخطيطه و يظن أن ما يقدم عليه خير له و هو ليس كذلك. إن رؤيتنا للأمور قاصرة, و الله عز وجل هو العليم الذي يعلم ما كان و ما سيكون, و الأمثلة على هذا المعنى في قصص الأنبياء كثيرة, أذكر على سبيل المثال
لا الحصر, قصة سيدنا يوسف عليه السلام, الذي جعله الله وزيرا بعد أن اغترب و سجن و اتهم زورا ... فالله سبحانه و تعالى لا يحرم إلا ليعطي وهو أرحم بنا من أمهاتنا.
و بعد ان يتم المعتمر هذه الأركان المليئة بالعبر و الدروس و المعاني, ينهي عمرته بتقصير الشعر أو الحلق للرجال متحللا من إحرامه, و القلب يرقص فرحا
لإتمام هذه المناسك العظيمة, لكل شيء نهاية و نهاية العمرة التحلل من الإحرام مع ضرورة استحضار ان العمرة أو الحج و باقي أركان الإسلام هي وسائل للتقرب من الله و تزكية النفس و ليست نهاية مطاف !
و لا يمكنني أن أنهي وصفي لأعظم رحلة دون أن أتحدث
عن مزارات مكة المكرمة, فكما هي مزارات المدينة التي تنضح بالدروس و العبر فمزارات مكة كذلك :فعندما يرى الزائر مثلا علو جبل النور الذي يقع
فيه غار حراء, و صعوبة التضاريس, و قساوة مناخ المنطقة, يزداد في نفسه حب الحبيب المصطفى الذي عانى الأمرين و صبر و صعد الجبال و ولا قى من اهله ما لا قى
من سوء معاملة لكنه و بتوفيق من الله انتصر ووصلت رسالته إلى مشارق الأرض و مغاربها.
بأبي أنت و أمي يا رسول الله ! تعب الحبيب المصطفى من أجلنا, من أجل أن نمشي على نهج نسعد به في الدنيا و الآخرة... و عند زيارة جبل النور, تذكرت كذلك عظمة الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في حياة الرجل, تذكرت السيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت تحمل الطعام إلى رسول الله (ص) و تصعد هذا
الجبل المرتفع, و التي كانت أول من آمن بالنبي و صدقه و سانده و أول من أسلم, إنها امرأة يجب على المسلمات الاقتداء بها, فلقد جمعت بين الحب و العطف و الحنان و القوة و الدعم و الذكاء و الحزم,
وهي صفات يحتاجها كل زوج يحمل رسالة نبيلة يحيا من أجلها... و أعود إلى باقي مزارات مكة المكرمة (جبل الرحمة و منى و مزدلفة وغار ثور الذي
اختبأ فيه الرسول (ص) و أبو بكر الصديق و أيدهما الله بمعجزة العنكبوت و الحمامة) كل هذه المزارات تزيد في النفس ثقة بأن هذا الدين شرع رحمة للعالمين و
أنه سينتصرلا محالة و ان العزة لله جميعا و لرسوله و المؤمنين...
و اختم بلمحة إلى أن عمرة رمضان هذه السنة كان لها
طعم خاص, باعتبار حالة عدم الاستقرار التي تعيشها العديد من الدول العربية, ولقد كان يؤثر في نفسي دعاء بعض المعتمرات لبلدانهن بالأمن و الرخاء و الاستقرار, كما لاحظت من خلال الحديث مع أخوات من مصر و
تونس و اليمن قوة اليقين في الله, رغم صعوبة المرحلة, و قوة الأمل في بناء وطن يضمن لمواطنين الأمن و الكرامة... ولكي أصدق القول, فلم يؤثر في نفسي فحسب دعاء هؤلاء المعتمرات, بل أثر فيها أكثر مشهد
الأكف و الحناجر التي تدعو الله في كل مكان عند الطواف و السعي وفي
الملتزم.... و الكل يسأل مسألته (منا من يريد شفاء مريض, ومنا من يسأل رزقا, و منا من يريد إصلاح الذرية....) ملايين المعتمرين تدعو في آن واحد بدعاء أو بلائحة من الأدعية, أصوات مختلفة و لغات و لهجات
مختلفة تتجه كلها إلى رب واحد أحد, إلى خالق مجيب سميع بصير... فسبحان من لا يلهيه سمع عن سمع, وما أعظم المولى الذي له خزائن يستطيع أن يعطي منها الكل واحد مسألته و لا ينقص ذلك من ملكه شيئا, وما
أسعدنا برب كريم أمرنا بالدعاء ووعدنا بالاستجابة, في شهر هو من أفضل الشهور و أجلها. وما أسعدنا كذلك بدين الإسلام و العلم و التعلم و النهضة و الاستمتاع بالحياة و الإصلاح.... مع إخلاص النية لله حتى تكون كل أعمالنا في ميزان حياتنا إن شاء الله.
فاللهم لا تحرم أحدا من المسلمين من هذه الرحلة الرائعة, و اجعلنا من أصحاب الهمم و الرسائل النبيلة حتى لا نمر في هذه الحياة كالسحب, ووفقنا لما تحب و
ترضى, وارزقنا التباث على هذا الدين وسعادة الدارين حتى نلقاك وأنت راض عنا, ويسعد بنا الحبيب المصطفى, ويسرلنا زيارات كثيرة الى بيتك المكرم, لأنها كانت بحق أروع رحلة !
لا تنسوني من خالص دعائكم.